|
*المدارس الدينية و الكتاتيب في شقراء:
" تعتبر المدارس أهم عامل في
تنشيط الحركة الفكرية و الأدبية في جبل عامل " و هي أكثر البواعث أثرا في تعميم
المعرفة و نشر الثقافة , و لم تعرف الحركة الأدبية و الفكرية شكلها الصحيح قبل عهد
المدارس في الجبل , الراكزة أسسها و أسس المعرفة في أراضيه و بين أبنائه
(1)
.
و قد عرف جبل عامل عدة مدارس
دينية في جزين و ميس الجبل و شقراء و النبطية و الكوثرية وجبع و بنت جبيل . اما
مدرسة شقراء فقد " انشأها السيد ابو الحسن موسى في اواخر القرن الثاني عشر الهجري و
كانت من اعظم مدارس جبل عامل , فيها ما يزيد على اربعين حجرة و تحتوي نحوا
اربعماية طالب و يقال ان اصواتهم عند المذاكرة ليلاً كانت تسمع الى مجدل سلم و هي
اول مدرسة لها اوقاف تدر عليها و ما زالت بعض اوقافها حتى اليوم "
(2)
.
"وبعد وفاة مؤسسها خمدت فيها
اضواء المعرفة حتى جدد شباب هذه المدرسة حفيدة السيد علي الامين و لكن الضعف
الاقتصادي اثر على حالة طلبتها فترك الكثيرون الدرس فيها و دب فيها الانحلال و نال
من بناءها الخراب حتى جددها السيد علي محمود الامين فأستعادت شيئا من امجادها
السالفة ثم اقفلت نهائيا بوفاة هذا الرجل "
(3)
.
و هكذا فمدرسة السيد علي محمود
الامين التي قامت منذ سنة 1900 م
(4)
و تعرف باسم المدرسة العلوية كانت مزدهرة و نشيطة و تهتم بتعليم القرآن الكريم
وكذلك النحو و الصرف والمنطق والمعاني والبيان والاصول والفقة و كان مركزها في دار
المدارس المحلة تعرف بهذا الاسم حتى اليوم , و كان الطلاب يقصدونها من جميع قرى
الجنوب و كانت تقام فيها الامسيات الشعرية بصورة مستمرة و قد تخرج منها كثير من
الشعراء و العلماء , نذكر من العلماء (الشيخ احمد بري من تبنين) ( الشيخ محمد
دبوق من خربة سلم ) (و السيد احمد قنديل من قلوية ) (الشيخ موسى مغية من عيناتا )
(و السيد علي موسى سليمان من شقراء ) .
و من الشعراء السيد محمد حسين
عبد الله , السيد موسى الامين , السيد عبد الحسين محمود الامين , الشيخ علي مهدي
شمس الدين , الشيخ محمد حسين شمس الدين , الشيخ محمد سليمان و الشاعر الكبير
ابراهيم يحيى (5)
.
و بعد انهيار هذه الدرسة قام
السيد محمد مهدي نور الدين بتعليم القرآن الكريم لاكثر من عشرين طالبا في غرفة وسط
البلدة في منزل السيد علي رضا قديما و كذلك كانت زوجة السيد هادي الامين تعلم
القرآن الكريم للفتيات في بيتها
(6)
.
و كان سن الدراسة في هذه
المدارس و الكتاتيب يبدأ بالخامسة , و عن طريقة التعليم يقول العلامة اليسد محسن
الامين : " ذهبت بي الوالدة الى معلم القرآن الكريم فلما دخلت مكان التعليم ضاق
صدري ضيقا شديدا و جزعت لامرين أهمهما الجلد بالفلقة , و كان الطفل يبدأ بقراءة
الحروف الهجائية حتى يحفظها ثم يعلم المنقوط وغير المنقوط و عدد نقط الحروف
الهجائية (أ) لا شيء عليه (ب) نقطة من تحت (ت) نقطتين من فوق (ث) ثلاث نقط ... ثم
في معرفة الحركات و السكون يقول الف انصب , الف اخفض , الف ارفع, الف اجزم "
(7)
.
و من العادات السائدة في ذلك
الوقت :" انه اذا وصل الطفل الى صورة الضحى عليه ان يأتي الى الشيخ ب 5 او 6 بيضات
ليقليها بمناسبة قولة ( ما ودعك ربك وما قلى ) و اذا وصل الى عمَ عليه ان يأتي
بغمة ( كروش ورأس و كرعان ) ان كان ميسرا بمناسبة لفظة عمَ من غمة "
(8)
.
و عندما يختتم القرآن الكريم
يرفعه الاطفال الى بيت أهله فيطعموهم الحلوى و يسقونهم الماء و السكر , و اما عن
الفلقة فانها " معلقة في الحائط فوق رأس المعلم و هي خشبة بطول 3 امتار مثقوب
طرفاها و فيها حبل دقيق يوضع فيها الساقان و تشتد عليهما وعنده عصاوان طويلة و
قصيرة و اذا كان بعيدا عنه ضربه بالعصا الطويلة و لا احد يعترض خوفا من الاشد (
الفلقة) و اذا غضب المعلم على احدهم لذنب هو من الكبائر كان يهرب فراراً فيرسل
المعلم الكبار لكي يأتوا به كما يرسل رئيس الشرطة جنوده لاحضار من يريد فان حضر
معهم مشيا على الاقدام فبها و الا حملوه مشهراً بين الناس وهو يبكي و يصيح و لا من
يجيب ثم يضعونه امام المعلم معتزين فرحين فيأمرهم بان يلقوا به على ظهره و يرفعوا
رجليه ثم يتناول الفلقة و يضع رجليه بين الحبل و الخشبة حتى يقبض الحبل على رجليه و
يمسك باحد طرفي الخشبة واحد قوي من التلاميذ و بالطرف الاخر مثله ثم ينهال المعلم
ضربا على رجليه و هو يبكي و يصيح ولا يغاث و المعلم يقول: بتهرب بعد يا خبيث ,
فيقول له و الله يا شيخي ما عدت اهرب ابداً .... و حسب ذنب الطفل يأمر الشيخ بفك
الفلقة و يقوم الطفل بمسح دموعه و يجلس في مكانه و يعلق المعلم الفلقة مكانها رمزاً
لارهاب التلامذة ... و اما الاهل فلا يعترضون بل يقولون للمعلم لك اللحم و لنا
الجلد و العظم اعتقاداً منهم ان ذلك في مصلحة ولدهم و انه بحاجة للتأديب "
(9)
.
اما قيمة ما يدفع الاهل للشيخ
المعلم فكانت " حوالي ليرتين من الذهب عن كامل المدة التي يقضيها التلميذ في
الدراسة حتى يختم القرآن الكريم و كان البعض يدفع مقدار معينا من القمح في كل موسم
"(10)
.
و عن تجهيزات هذه الكتاتيب
فكانت عبارة عن لوح من تنك ومحبرة من تراب و قلم من القصب و يجلس الطلاب على حصيرة
من البابير (*)
و يجلس المعلم على طراحة (11)
. وبقيت المدارس الدينية و الكتاتيب تقوم بدورها في التعليم حتى الاحتلال الفرنسي
الذي شجع على فتح المدارس الرسمية لنشر ثقافته و حضارته فتراجعت بذلك الكتاتيب التي
كانت تزول بوفاة اصحابها و اندثرت نهائيا بعد الاستقلال عام 1943 م .
*مدرسة شقراء الرسمية :
تأسست سنة 1914 م
(12)
و مارس التعليم فيها بصفة معلم منفرد السادة : محمد علي الحوماني , السيد محسن عبد
الحسين الامين (**)
, نعيم غطاس, السيد كاظم الامين , حسين شرارة , محمد مرتضى , بهاء الدين صوبرة ,
محي الدين سليم , مصطفى فران , محمد غالب و محمد فلحة(13)
و طيلة هذه الفترة كانت المدرسة تسير ببطء حيث كان يمارس التعليم فيها المعلم
المنفرد و يساعدة وكيل بعض الاحيان و لا مانع ان يعين الوكيل وكيلا عنه وظلت الحال
كما هي حتى الخمسنيات و ليس من يشجع على العلم , و الزعامات التقليدية المحلية
كانت تعتبر ان العلم يضر بالمصلحة العامة و بمصالحها الخاصة حيث انه يساعد على نشر
الافكار العقائدية و يقوي النزعة التحررية والتخلص من العبودية و هذا يتنافى مع
مصالحها القائمة على استغلال الامية و الجهل
(14)
.
و في بداية الخمسينات خطت
المدرسة الرسمية خطوات سريعة نحوا التقدم و الازدهار ففي العام الدراسي 1951-1952
التحق بها المدرسون السادة : جعفر الامين بعد ان قضى مدة طويلة معلماً في شمسطار و
النبطية, نجيب يوسف و زين الامين بعد انهائهما الشهادة التعليمية و السادة نزية
الامين و مفيد الامين , و تسلم ادارة المدرسة السيد جعفر الامين الذي يعتبر مع
رفاقة من اهم مؤسسي المدرسة فقد عمل على تنشيط الحركة العلمية و شجع الاهالي على
تعليم اولادهم فتزايد عدد الصفوف الى صف السرتفيكا في العام 1953-1954 ثم تم
بجهوده فتح المرحلة المتوسطة في العام 1955-1956 و اصبحت مدرسة شقراء مركزاً علمياً
و ثقافياً في المنطقة يقصدها الطلاب من مختلف القرى المجاورة من حولا و ميس الجبل و
مجدل سلم و برعشيت و صفد البطيخ و الجميجمة و ذلك لعدم توفر المدارس في قراهم او
لعدم وجود مراحل متوسطة في مدارسهم .
-----------------------------------------------------------------------
1- محمد كاظم
مكي : الحركة الفكرية و الادبية في جبل عامل , ص 29 .
2- السيد محسن
الامين : خطط جبل عامل , ص 150 .
3- محمد كاظم
مكي : الحركة الفكرية و الادبية في جبل عامل , ص 32.
4- مقابلة مع
السيد عبد الكريم الامين : معاصر للمدارس الدينية في 19 آب 1981 .
5- مقابلة مع
السيد عبد الكريم الامين : معاصر للمدارس الدينية في 19 آب 1981 .
6- مقابلة مع
السيد عبد الكريم الامين : معاصر للمدارس الدينية في 19 آب 1981 .
7- الشيخ علي
الزين : العادات و التقاليد في العهود الاقطاعية , بيروت , ص 188-190 .
8- الشيخ علي
الزين : العادات و التقاليد في العهود الاقطاعية , بيروت , ص 188-190 .
9- الشيخ علي
الزين : العادات و التقالد في العهود الاقطاعية , ص 160-161 نقلا عن السيد محسن
الامين في . اعيان الشيعة , مجلد 4 , ص 8-9 .
10- مقابلة مع
السيد عبد الكريم الامين : معاصر للمدارس الدينية في 19 آب 1981 .
11- مقابلة مع
السيد عبد الكريم الامين : معاصر للمدارس الدينية في 19 آب 1981 .
12- مقابلة
مدير مدرسة شقراء الرسمية في 10 آذار 1981 .
13- مقابلة
مدير مدرسة شقراء الرسمية في 10 آذار 1981 .
14- مقابلة مع
الاستاذ محمد زريق محام بالاستئناف في 1 ايلول 1981 .
*
البابير : نوع من النبات تستعمل اغصانة في صناعة الحصير و كان يوجد بكثرة في بحيرة
الحلوة في فلسطين .
** وهو
غير العلامة المجتهد الاكبر السيد محسن الامين .
|