|
|
الشهيد السيد عبد اللطيف الأمين
|
ونقلب صفحة من صفحات العلماء الأبرار
لنفتح صفحة أخرى وبين الصفحة واختها تبتسم شقراء لعلمائها وأعلامها إبتسامة الأم
الحانية التي وجدت في أبنائها ما يرفع جبينها عالياً . . .
وصفحتنا
الزاخرة الآن بعبق الشهادة وهي صفحة الشهيد السعيد عبد اللطيف الأمين . . علمٌ من
أعلام البلدة وليس هذا فحسب بل هو علم لجبل عاملة و للإسلام أيضاً .
شهيدا اغتيل غدراً وعدوانا . . حاولوا
إسكات صوته المناهض للظلم . . ففضحهم
وتشتت أحلامهم السوداء . .
فمن هو شهيدنا السعيد ومن يكون . .
هو إبن العلامة حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد الأمين
المستشهد في أوائل عام 1961 م في العراق ، تاركاً وراءه أسرةً كان كوكبها اللامع
السيد عبد اللطيف الأمين الذي ولد عام 1948 م في لبنان وقبل أن يكمل عامه الأول
أخذه أبوه وأخ له أكبر وهاجر بهما إلىالعتبات المقدسة قاصداً الله وتاركاً كل شيء
خلفه وبرغبة لا تقاوم لطلب العلوم الدينية إلى النجف سيدة المدن الشريفة ، قطنوا
في بيت لا يبعد أكثر من مئة متر عن مقام أبو الأئمة أمير المؤمنين وفي جو من
الإيمان الكبير والروح السامية ترعرع السيد عبد اللطيف في كنف والدٍ شديد التقوى ،
عرفاني النهج ، طيب السيرة ، محباً للناس ماداً يده بالخير إليهم دائماً . فنشأ
السيد عبد اللطيف مشبعاً بهذا العبق الإنساني ، وما إن بلغ الحادية عشر من عمره
الشريف حتى استشهد والده .
فتولى شؤون العائلة بعد
ذلك
المقدس آية الله الحكيم واعتنى بهم عناية كريمة وحضهم بالكثير من وقته وجهده ، وسلم
بعد ذلك وكالته إلى ابن الشهيد البكر سماحة العلامة السيد محمد جواد الأمين . فكان
شهيدنا ظهيراً قوياً وسنداً معيناً لأخيه على تحمل المسؤولية الجسيمة ، وواصل هو
دراسته حتى بلغ المرحلة المتوسطة فيها وكان عمره آنذاك اثنى عشر عاماً ، توجه
لدراسة العلوم الدينية وتفرغ لها برغبته في الانضمام إلى اجداده ، فانفرجت أسارير
سماحته وراح يرعى دروسه وتدريسه متأملاً فيه الخير كل الخير .
ابتدأت رحلة شهيدنا مع هذه المسؤولية
الجسيمة فكان واخوه البكر وحدة واحدة يثار
على الشر حتى يغلبانه ، تذوب
أمام قوتهما المصاعب ، وتذلل العوائق أمام صبرهما حق
تذلل ,
شعلة من العطاء ,
وشاء الله لهذه المسيرة أن تستمر وأن
ينمو شهيدنا مواصلاً دراسته الدينية بجدً غريب ، وذكاء فذ ، وصبر عنيد حتى
برز بين
أقرانه واشتهر بين أساتذته بسرعة
الإستيعاب وقوة الذاكرة وكانت علاقته بأساتذته علاقة غريبة لشدة حميميتها وصدقها
وتميزها وقد تنبؤا
له بمكانه رفيعة فنال ثقتهم وكان من
بينهم زعيم الحوزة العلمية آية الله الخوئي دام ظله فمنحه شرف وكالته عام 1987 م .
وكان شهيدنا خلال هذا العام تلح عليه
صورة جبل عامل ، أرضه الأسلامية المباركة وكان خلال رحلاته القصيرة إليها يرى حال
الناس وشدة حاجتهم وفقرهم للتعاليم الإسلامية ، يراهم كالأرض البكر ينقصهم الكثير
لذلك قرر العودة إلى عامل سريعاً للأستقرار فيها . فأبلغ موكله آية الله الخوئي
فشجعه سماحته ، وبارك له ، فحزم شهيدنا أمتعته وأخذ زوجته وأطفاله الثلاثة ومعهم
قلبه الكبير . .
اختار
السيد عبد اللطيف الامين قرية الصوانه مستقراً له فقد كان الجهل وعبث الزعماء
والأحزاب تأتي
عليها – كما هي الحال في باقي القرى العاملية فابتنى شهيدنا له بيتاً على أرضٍ
ورثها عن أبيه وشمر عن ساعديه للعمل ، أفتتح بيته ، وبدأ تعليم الناس شرائع دينهم
الحنيف وحل مشاكلهم وفتح باب التبرعات لإصلاح القرية وجامعها . . واشترى أرضاً
للوقف في وسط القرية ، وأسس جمعية لتنشيط الحركة الثقافية والإجتماعية في البلدة ،
وبدأ جامع البلدة مسيرته المباركة بنشاط لم يعهده جامع صغير افتتح فيه حلقات الدرس
والخطب الأسبوعية وفي المناسبات وبدأ الجامع مزهواً بدوره الجديد يخرج من مئذنته
نداء الوعي باسم الله .
وجاء يومٌ دخلت فيه جيوش الكفر إلى
الجنوب ومن خلفها العملاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى ،
فالتمعت
في عيني السيد الشهيد سيوف الغضب وانبرى لمحاربتهم بهمة لا تفتر ولا تمل فلم يترك
فرصة إلا وانتهزها لتثبيت القلوب في مواجهة الإحتلال . .
وكان هذا الإصرار وهذا التأثير كفيلان
بأن يثيرا ضيق العملاء والأوغاد من إمام الصوانه وحاولوا تفريق الجميع من حوله
,
وفي النهاية في اليوم الخامس عشر من
شهر تشرين الثاني عام 1984 وبعد صلاة المغرب جلس السيد يداعب أطفاله فإذا بطرقات
على الباب تشتد ، السيد قام لفتح الباب فإذا بعويل الرصاص يمزق الصمت . . وراية
شهادته ترتفع عالياً . . .
**************
ومن أقوال الشهيد السيد عبد اللطيف
الأمين .
.~.~.~.~.~.~.~.~.~.~.
{إن خلافاتكم المصطنعة قد بناها أعداء
الله خوفاً من قوتكم إذا اتحدتم } .
{ ادعوا إلى الله بأعمالكم } . وقد طبق
قوله هذا في نهجه وسلوكه .
{ لا تخشوا هؤلاء الأقزام ، عاملوهم
بقسوةٍ وأحتقار } . يقصد الصهاينة ، وفي حديث آخر له قال :
{ احتقروهم فأعداؤنا حثالة البشر انهم
يخافون على دنياهم كما تخاف الفئران } .
ومن
جميل قوله :
{يا أبناء عامل لا تخافوا من الخوف ،
فهولاء اليهود هم الخوف في ثياب رجال } . . .
****************
تشييع الشهيد عبد اللطيف .
.~.~.~.~.~.~.~.~.~.~.
شيع في بلدة شقراء – قضاء بنت جبيل –
في جنوب لبنان ، التاسع عشر من تشرين الثاني جثمان الشهيد السعيد عبد اللطيف الأمين
إمام بلدة الصوانه في موكب حاشد – شارك فيه العلماء وأهالي المنطقة و
وفود غفيرة من القرى المحتلة .
وشوهد تجمع واستنفار آليات عديدة على مشارف البلدة وفي التلال المحيطة بها .
صُلي على جثمان الشهيد في جامع القرية
عقب صلاة الظهر ثم حمل على الأكتاف إلى مقبرة البلدة حيث
وّذري
جثمانه الشريف عن عمر يناهز السادسة والثلاثين . . تاركاً في الدنيا سيرته العطرة ،
وأربعة أطفال هم
: عزيزة ، جمانة ، صادق ، وميثم ، وأصغرهم لا يتجاوز الرابعة من العمر واكبرهم هي
في الثالثة عشر من عمرها . . .
وفي معتقل أنصار شارك المعتقلون في
الإضراب والإحتجاج وتظاهروا داخل المعسكر ، مما أسفر عن مواجهة بينهم وبين قوات
الإحتلال حيث استعمل الرصاص والقنابل المسيلة للدموع ولتفريقهم .
ولبت بيروت الغربية والضاحية الجنوبية
ومناطق الجنوب المحتل الدعوة إلى الإضراب العام استنكاراً لإغتيال السيد الامين على
يد الإحتلال وعملائه .
ففي بيروت الغربية ، اقفلت المؤسسات
والمجلات والمصارف والدوائر والمدراس في مختلف الأحياء ، وخفت حركة السير واعتصم
مئات الناس في النوادي الحسينية . وكذلك الأمر حصل في الضاحية الجنوبية .
وفي الجنوب نفذت مدينة صيدا إضراباً
شاملاً وأيضاً شمل الإضراب مناطق الزهراني ، واقليم التفاح ، مرجعيون ، بنت جبيل ،
النبطية . . واقيمت اعتصامات في القرى ، القيت فيها كلمات نددت بالإحتلال الإسرائيلي
وعملائه .
وبعد اعتصامٍ نفذته المقاومة الإسلامية
في مسجد الإمام الرضا في بئر العبد تجمع المعتصمون والوفود من كل المناطق وانطلقوا
في مسيرة حاشدة من أمام المسجد ، شارك في المسيرة ما يقارب الـ 20 ألف مواطن . . .
وفي ذكرى اسبوع استشهاد العلامة الأمين
، غصت شقراء بالألون من المشاركين وحشدون العلماء والشخصيات ووفود من جميع القرى
والمناطق ، وقد طوقت قوات الإحتلال المنطقة ، ودخلت بآلياتها ومدرعاتها ومئات
الجنود إلى قلب البلدة . . وظلت طوال فترة المهرجان تستفز الناس لتخويفهم وتفريقهم
دون جدوى . . وظلت كذلك حتى
انتهى المهرجان .
إن ذكر هذه الأحداث تدل على
ما
كان لسيدنا الشهيد من وزنٍ في ميزان الجهاد في سبيل الله ، فما ذُكر إلى الآن ،
يبين لنا عظمة الرسالة التي حملها السيد الأمين وجاهد من أجلها حتى بات صريعها
السعيد . المضرج بالشهادة وعبقها . . .
وإن من مفاخر الإسلام أن يكون فيها
سيدٌ معطاء كالسيد الأمين فكيف إذاً بشقراء ، الا يحق لها ان تفتخر وتعتز بهكذا علم
في سنائها ؟ ؟
رحمة الله على السيد الأمين وعلى جميع
العلماء الأبرار وعلى جميع الشهداء .
|